فخر الدين الرازي
41
شرح عيون الحكمة
ثم أن ألفاظ هذا الكتاب ، وجيزة مختصرة ، والمعاني المعتبرة ، غير مألوفة ولا مشهورة ، والمطالب غير متمايزة بالفواصل المعلومة ، والمقاصد غير مبينة بالألفاظ الناصعة المفهومة ، فلا جرم كل أحد يفسره على وفق رأيه العليل ، وخاطره الكيل . وإذا تخيلوا أن المراد منه كذا ، فربما كتبوا تلك الخيالات الفاسدة على الحاشية ، لظنهم أنه يصير ذلك سببا لايضاح ذلك الكلام ، وتحصيل ذلك المرام . فإذا جاء بعدهم أقوام ، أكثر جهالة من أولئك الأولين ، وأقوى ضلالة من أولئك السابقين ، فربما ظنوا بتلك الحواشى ، أنها من متن الكتاب ، وأنها ليست من القشر ، بل من اللباب . فحينئذ يدخلونه في متن كتاب المصنف الأول ، ويصير ذلك سببا لحصول كل خلل وزلل . ولقد شاهدت هذا النوع من التحريف والتخريف في مصنفاتى ومؤلفاتى . وكنت أبالغ في ازالتها عن متن الكتاب ، لكيلا يحصل ما يوجب الارتياب والاضطراب . فإذا وقع هذا ، والمدة أقل من الثلاثين ، فلأن يقع والمدة قد زادت على المائة والخمسين كان أولى . وانما ذكرت هذا العذر ، لاشتمال هذا الكتاب في كثير من المواضع على كلمات ، كثيرة الخبط ، بعيدة عن الضبط ، يبعد عندي أن يكون قائلها هو هذا المصنف ، الذي كان في قوة القريحة آية ، وفي جودة الفكر والنظر غاية . ويغلب على ظني : أن السبب في اختلاف تلك الكمات المثبجة والتركيبات المعوجة ما ذكرناه وقررناه . ولمثل هذا السبب ، فكثيرا ما يقول « جالينوس » في شرحه لكتاب « الفصول » : « ان هذا الفصل مدلس على « أبقراط » إذ كان يجد ذلك الفصل ، كثير الزلل ، شديد الاختلاط . ثم إن ملتمس « 2 » الشرح والتفسير ، ما صرفه عن شدة الالتماس شئ
--> ( 2 ) هو تلميذه : محمد بن رضوان بن منوجهر ملك شروان .